ابو الفتوح عبد الله بن عبد القادر التليدي المغربي
173
الأنوار الباهرة بفضائل أهل بيت النبوي والذرية الطاهرة
ويقول : « إن ابني هذا سيّد ، ولعل اللّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين » « 1 » . وقد حقّق اللّه عزّ وجل هذه المعجزة بالحسن رضي اللّه تعالى عنه ، فقد تنازل عن الخلافة ، وتركها لمعاوية « 2 » ، لا لذلّة ، ولا من قلّة ، بل زهدا في الملك والحياة ، ورغبة فيما عند اللّه عزّ وجل ، وحقنا لدماء المسلمين الذين كانوا على استعداد لنشب حرب أخرى جديدة . وبهذا الصلح الذي صدر منه رضي اللّه تعالى عنه انقضت مشكلة الخلاف ، وأمن الناس ، وسمّوا ذلك العام عام الجماعة « 3 » ، وقد عتب كثير من شيعة الحسن عليه السّلام عليه
--> ( 1 ) . صحيح البخاري 2 : 962 ، مسند أحمد 5 : 38 ، السنن الكبرى للبيهقي 6 : 265 ، مسند الطيالسي : 118 ، فضائل الصحابة لأحمد : 20 ، الأذكار النوويّة : 362 ، المعجم الكبير للطبراني 3 : 34 ، السنن الكبرى للنسائي 6 : 71 . لكن لدينا ملاحظة حول ذيل الحديث ، فإنّه لا ينسجم مع قوله صلّى اللّه عليه واله : « عمار تقتله الفئة الباغية » ، وقد بان بعد قتل عمار ضلالهم بالقطع واليقين ، ولا ينسجم أيضا مع أمر النبي صلّى اللّه عليه واله لعلي بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين . نعم ، يمكن أن يقال : إن إطلاق لفظ الإسلام عليهم إطلاق مجازي ، كما هو الحال في قول النبي صلّى اللّه عليه واله : « ستفترق أمّتي على ثلاث وسبعين فرقة ، واحدة في الجنة والبقية في النار » ، فقد أطلق على الجميع لفظ أمّتي ، مع أن أكثرها في النار ، ومثله قول القائل : بعض المسلمين في النار ، فإنّه من الإطلاق المجازي ، وإلّا لزم التنافي والتناقض في قول النبي صلّى اللّه عليه واله ، فلو كانوا مسلمين حقيقة فكيف يأمر النبي صلّى اللّه عليه واله بقتالهم ؟ ! أفهل يأمر النبي صلّى اللّه عليه واله بقتال المسلم ؟ ! حاشاه أو أن نقول : إن ذيل الحديث وهو : « ولعل اللّه . . . إلى آخره » مختلق ملصق بالحديث . ( 2 ) . لم يصالح الإمام الحسن معاوية إلّا على شروط ، ولكن معاوية لم يف بها وقال في خطبته في النخيلة : « ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدميّ هاتين لا أفي به » مقاتل الطالبيّين : 45 ، شرح النهج 16 : 46 وقال : « قال أبو إسحاق : وكان واللّه غدرا » . ( 3 ) . تسمية هذا العام بعام الجماعة تسمية أمويّة ، والحق أنّه عام المحنة ، ففي هذا العام كتب معاوية للآفاق « أن برئت الذمّة ممّن روى شيئا من فضائل أبي تراب وأهل بيته » وجعل في هذا العام - - سب عليّ على منابر المسلمين سنّة ، وكتب بذلك إلى الأمصار والآفاق ( شرح النهج 11 : 44 ) وتتبّع شيعة أمير المؤمنين وأنصاره وصالحي هذه الأمّة وقتلهم وصلبهم ، أمثال ميثم التمّار ورشيد الهجري وكميل بن زياد وحجر بن عدي وأصحابه ، وكانوا من خيار الصالحين . عن عائشة قالت : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله يقول : يقتل بعذراء أناس يغضب اللّه لهم وأهل السماء » ( البداية والنهاية 6 : 252 ) . وقام معاوية بدفن أنصار الإمام علي عليه السّلام وهم أحياء ، كما فعل بعبد الرحمان بن حسّان ، دفنه حيّا بقس الناطف ، وقتل خيار التابعين ، أمثال كدام بن حيّان وقبيصة ومحرز بن شهاب ( تاريخ دمشق 34 : 301 و 50 : 111 و 49 : 264 و 57 : 80 ) وقتل الصحابي عروة بن كعب بن وائل ( الإصابة 5 : 116 ) وعمر بن الحمق الخزاعي ، وطيف برأسه في الشام ، وهو أول رأس يهدى ويطاف به في الإسلام ( البداية والنهاية 8 : 52 ، الإصابة 4 : 515 ) وعبد اللّه بن يحيى الحضرمي وأصحابه ، وجويرية العبدي وغيرهم . ودام الحال من القتل والتنكيل حتّى وصل الأمر ببني أميّة أنّهم إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه ( تاريخ دمشق 41 : 481 ، تهذيب الكمال 20 : 429 ، سير أعلام النبلاء 5 : 102 و 7 : 413 ) .